[شجر الليمون .. دبلان على أرضه]

 


* صورة لعبد الرحيم مع صديق عمره بليغ حمدى *

الحلقة الاولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[ منتدى عبد الرحيم منصور ]

بقلم الشاعر مجدى نجيب

[الحلقة الرابعة]

سألنى الشاعر عبد الرحيم منصور يوما فى براءته :المعهودة

عندنا فى صعيد مصر لا يوجد بصاصين لرصد حركات الناس فى الجايه والروحه ، فلماذا تعج القاهرة ومقاهيها وتجمعات المثقفين بالكثير من المخبرين الذين أصبحت اهتماماتهم محصورة فى نقل أشعارنا !ومناقشاتنا للدولة؟

!أجبته ؟

لأن الفن حركة دائمة لتوعية الناس بالأخطاء التى قد .تمارس ضدهم

:قال

وماله .. ده شئ كويس .. وبعدين يابوى إحنا بنكتب الشعر .. مش بنكتب بيانات ضد الحكومة .. وفى أيدينا أقلام رخيصة الثمن وليست فى أيدينا سكاكين أو أسلحة

!الفن .. والدولة

حاولت إقناعه بأن ما يحدث ، هو نوع من الأمن للمحافظة على نظاها تماما كما هو حق لنا فى أن نكتب ..ما نريد

انه صراع قائم منذ نشأة حضارة الدولة التى سنت !القوانين لحماية نفسها فيما قد تراه يهدد استقرارها

كان يستمع فى غير اقتناع ، لأنه كان يتخيل العالم من حوله قد حلق للإنسان مثلما خلق للطيور التى تعبر الحدود بلا جوازات سفر .. وتغنى وقت ما تشاء .. وتفرح وتحزن عندما تريد ، أن يأمرها أحد بالكف عن الغناء .. أو يفرض عليها نوع ما من غناء لا تحبه ، ثم :أنشدنى بقوله

أوعاك تسوق الملامه

شيبة قلبى علامه

وآه يابا .. يابا عليا

لا دار ولا مرسى ولا صبيه

بسافر بسافر .. باهاجر باهاجر

!الهزيمة والأنتصار

كان غارقاً فى صمت شديد ، ولم يفق إلا على صوت بليغ حمدى ، الذى وجدناه أمامنا ، وأخبرنا أنه قرر التفرغ للمشاركة بألحانه فى 1967 ، وعمل معسكر .مستمر فى دار الإذاعة لكى يشارك الفن فى المعركة

وكان من نصيب الشاعر عبد الرحيم منصور 225 نشيداً .. قامت بالغناء أغلب الأصوات ، ولكن بعد خسارتنا فى الحرب ، كان منكسراً مثل كل جيله ، :وسألنى

!لم تفلح أشعارنا فى شق الطريق لانتصارنا؟

هذا قدرنا يا صديقى ، فلسنا نحن الذين كان فى يدنا بندقية أو مدفع ، وقد استدرجنا العدو للدخول فى هذه الحرب دون تخطيط لها ، فالقيادة العسكرية كانت .مشغولة بأشياء أخرى غير وظيفتها

حفل عين الفن

استمرت كآبتنا وبياتنا داخل شرنقة حزننا ، وأفاق عبد الرحيم مرة أخرى ، وظل يكتب طوال فترة رب .الاستنزاف ، حتى نصر أكتوبر 1973

كانت غنائياته المميزة فى أم الصابرين وعبرنا الهزيمة للفنانة شادية وعلى الربابة للفنانة وردة وقومى عليكى السلام لعبد الحليم حافظ وغيرها من الأغنيات والأناشيد الجميلة ، ولازلت أذكره عندما رشحه الشاعر صلاح عبد الصبور ليلقى أشعاره أمام الرئيس السادات فى أحد أعياد الفن ، فقدم أشعاره ،وصفق له الجميع

..بعد انتهاء الحفل .. وجد نفسه وحيدا

لم يجد من يأخذه معه فى سيارته ، وبينما كان الجميع يركبون سيارتهم ، كان هو الوحيد الذى استقل قدميه ، :وهذا ما أحزنه .. وجاءنى شاكياً

شفت - أحنا اللى بنغنى للبلد .. سنظل فقراء إلي الأبد  .فقراء فى كل شئ وأغنياء فقط بمواهبنا

:سكت لحظة وشرد ببصره لبعيد وقال

ولكن للأسف يا صديقى .. ان مواهبنا غير قادرة على إطعامنا .. أو الحصور على سكن دافئ .. أو امتلاك !سيارة

:أجبته وكأننى أجيب على نفسى

طالما نحن سعداء بحياتنا واختياراتنا ، فنحن أوقى !وأرقى من الذين يملكون كل شئ .. ولا يملكون أنفسهم

النهاية

كان يتميز بقدرته على إخفاء حزنه فى صوامع صمته ، متحملاً معاناته اليومية فى كسب لقمة العيش ، نافضا عنه وجعه المتوارث وثوب حيرته ، ويعود للتنقل بيننا كالعصفور .. يرقص مع أنغام كلماته المغناه على شفاه المطربين والمطربات ، فمرة إلي الشجن فى لو سألوك أو .. بكره يا حبيبى لوردة وجرحتنى عيونه السودا وعطاشا وقضينا الليالى لعفاف راضى وباعشق البحر وسكة العاشقين لنجاة وياطير الشوق  وحبيبى يا متغرب وطلع القمر ع الباب لفايزة أحمد ، وكان النصيب الأكبر من شعره الغنائى لمحمد منير الذى عبر .به إلى منطقة التميز والتفرد

آه يا صديقى عبد الرحيم . لو طالت بك الحياة .. كنت بالتأكيد ستثرى حركة الغناء بألوان حروف المنتقاه من ..عطر شجر الليمون

ولكن الموت دائما يحتار أجمل وأفضل ما فينا من الأحباب والأصدقاء . دهشتى لا تزال قائمة

فعندما حل عن عالمنا لم أكن بالقاهرة ، حيث كنت أعمل فى دولة قطر فى مجلة الأمة الإسلامية ، ولذلك لم أصدق حتى الآن حكاية رحيله عن عالمنا ، وغير مصدق أن للموت أياد طويلة قادرة على إغتيار الأحباب .فجأة ودون سابق إنذار

لقد سقط صديقى عبد الرحيم من فوق شجرة الحياة مثل ثمرة نبق صغيرة ، وكلما تذكرت ضحكته العالية البريئة وجنونه ومجونه وحبه للحياة ، أتذكر فى حزن صوته عندما كان ينشد للشاعر المجهول فى تراثنا :الفلكلورى

أبكى عليك وحدك

أبكى على جسمك ومخدتك

ماحدش كوانى فى الميتين زيك

قنديل منور انطفى ضيه

سوق البحيره مالقاش زيه

قنديل منور وانطفى نوره

سوق البحيره ما التقاش غيره

.ولا يزال قلبى يبكيه

فقد برحيله جزء حميما من ذكرياتى وعناوينى ، وعناوين الأصدقاء وقد رثاه شاعرنا الكبير فؤاد حداد في قصيدته الطويلة الرائعة ألاقى عبد الرحيم منصور

أتذكره كلما مررت بميدان التحرير ، وقعدتنا فى مقهى ايزائيفيتش الذى كان المكان المفضل للقاءاتنا عندما تكون جيوبنا عامرة  .. وقد تحول الآن إلي شركة سياحة .. وأيضا مقهى وادى النيل الذى فجره الإرهابيون فى سعارهم لقتل بسطاء الناس من الغلابة لأنهم فشلوا فى مواجهة السلطة وعسكرها ، فكانت .النتيجة موت العديد من فقراء قومنا

رحل صديقى (حيمو) وهو مكبل بقيود الضرائب التى تطالبه بمبالغ كثيرة وصعب سدادها حتى لو بيع منزله بما فيه .. ، فالدولة دائما تطار المواطن الذى يكسب قوت يومه بشرف ، وتترك من يسرقها ويتبول على ..قوانينها ويسرق أحلام الآخرين

فالمبدعين دائما هم ضحايا لنظام لا يعرف التفرقة بين من يصنع الحلم  .. وبين الذى يسرقه فالفقير الذى !!يصنع الحلم دائما تحت المراقبة